ليست كل الحوارات في مجلس الألوكة العلمي بجمالية حواري مع أبي قتادة،علما وأدبا وخلقا،أحيانا تنسى أنك في حوار علمي أو فكري،وتخال نفسك في ميدان حرب ووغى، ولم يبق إلا أن تسمع جلجلة السيوف وصهيل الخيول،وترقب تطاير الأشلاء وتفرق الدماء،كلمات جارحة،وعبارات مؤذية،وتهم وقذف ووقاحة وقلة أدب.
بعض إخواننا _هداهم الله_ إذا جئته بما لم يألفه من الأقوال،أو خالفت ما يراه أنه الحق الذي لاحق بعده،رغى وأزبد،وهاج وماج،و رماك بكل نقيصة،وقذفك بكل عجر وبجر،حتى تخال نفسك زنديقا مارقا،أورافضيا خبيثا هالكا.
بدأ هذا الحوار المتشنج مع أبي عاصم _هداه الله_بعنونته لمقالته عنوانا براقا مثيرا للنظر:”وجوب الجهاد في هذا العصر”،فنشطت للمقال،حيث ظننته يتحدث عن ثغور المسلمين في فلسطين،أو عن أبطال الأمة في بلاد الرافدين،أو عن الأشاوس في بلاد خراسان،وخلت المجاهد فيهم علوج الأمريكان،أوخنازير اليهود،أو حتى صناديد الملاحدة والعلمانيين………فلما قرأت المقال فوجئت به يريد من سماهم أهل بدع،من بني أمتنا ،بل ممن قد يكون له سبق قدم وصدق في دينه ودعوته،فكان لا بد من تنبيه الأخ مع تذكيره بالتفريق بين طبيعة التدين وغلبة أهل الدين بين المشرق والمغرب.
لكن رده كان عنيفا _هداه الله_.
قال أخونا أبو عاصم:
الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أمّا بعد :
إنه ممّا لا يخفى على ذوي العقولِ السّليمة والطرق السّلفية القويمة إنتشار أهل البدع في عصرنا ، وذلك لعدَّة أسباب منْها : قلّة الرّاد عليهم والكاشف لعوارهم وذلك راجع أساسا إلى قلّة العلماء الصّادعين بالحقِّ ، فكانت لهم صولة وجولة ، فلسان حالهم يقول :
خَلَا لَكِ الجَوَّ فَبيضِي وَصَفِّرِي “”"ونَقِّرِي مَا شِئْتِ أَن تُنَقّرِي
وعلى الُّرغم من ذلك فخبر الصَّادق المصدوق لا بدّ له أن يكون حيث قال : (لا تزالْ طائفَة من أمَّتي ظاهِرين، حتَّى يَأتيهم أَمرُ الله وَهُم ظَاهِرون).[ البخاري برقم : 6881]
وعن جابر –رضي الله عنه- قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تزال طَائفة من أمَّتي يُقاتلون على الحقِّ ظاهرين إلى يَومِ القِيَامة )[ صحيح : المشكاة برقم : 5507]
وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تزال طائفة من أمَّتي يقاتلون على الحقِّ ظاهرين على من ناوأهُم حتَّى يقاتل آخرهم المسيح الدَّجال ) [ صحيح سنن أبي داود : برقم 2484]
وكما أنَّ القتالَ يَكُونُ بالسَّيف والسِّنان فَيكونُ أيضَّا بالحجَّة والبُرهان ، وهو حال الرّجل الَّذي يخرُج للدّجال يوم ظهوره فيقاتله بالحجَّة والبيان ، والرّْوايات في ذلك كثيرَة أذكر لك إحداها :
عن أبي سعيد –رضي الله عنه- قال: حدّثنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يوماً حديثاً طويلاً عن الدَّجّال، فكان فيما يحدّثنا به أنَّه قال: (يأتي الدَّجال، وهو محرَّم علَيه أنْ يدخُل نقاب المدينة، فينزل بعض السِّباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل، وهو خير النَّاس، أو من خيار النَّاس، فيقول: أشهد أنَّك الدَّجَّال الَّذي حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه، فيقول الدَّجال: أرأيتم إنْ قتلْت هذا ثم أَحييتُه، هل تشكُّون في الأَمر؟ فيَقولون: لَا، فيقتُله، ثمَّ يُحيِيه، فيقولُ: والله ما كنتُ فيك أشدَّ بصيرَة منِّي اليوْم، فيريدُ الدَّجَّال أن يقتُله فلا يُسلَّط عليهِ).[ البخاري برقم : 6713]
فترى رجال هذه الطَّائفة النَّاجية المنْصورة يجاهِدون أهُل البِدع في كل زمان ومكان، فإن جهادهم واجب على كلَّ من قدر عليْهِ ، وجاء في التَّعريفات للجرجاني ( ص : 84) :
” الجهاد : هو الدُّعاءُ إلى الدِّين الحَق ” .
وسأذكر لك طرفا يسيرا من الأَدلَّة على ذَلِك من الكتاب والسُّنَّة وأَقوال أََهل العِلْمِ .
قال عزَّ وجلَّ لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلم : ( فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا )
[ الفرقان : 52].
قال ابن كثير –رحمه الله- في تفسيره (17/6): ” قال تعالى: ( فلا تطع الكافرين وجاهدهم به ) يعني القرآن, قاله ابن عباس, ( جهاداً كبيراً ) كما قال تعالى: ( يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ) الاَية. ” اهـ . وكذا قال جل المفسرين .
وقال العلامة ابن السعدي –رحمه الله- في تفسيره (520): ( فلا تطع الكافرين )
في ترك شيء مما أرسلت به ، بل ابذل جهدك ، في تبليغ ما أرسلت به .
( وجاهدهم ) بالقرآن ( جهادا كبيرا ) أي : لا تبق من مجهودك في نصر الحق ، وقمع الباطل ، إلا بذلته ، ولو رأيت منهم ، من التكذيب والجراءة ، ما رأيت ، فابذل جهدك ، واستفرغ وسعك ، ولا تيأس من هدايتهم ، ولا تترك إبلاغهم ، لأهوائهم . ” اهـ
فكان صلَّى الله عليه وسلم يُجاهِد الكفَّار بالسَّبف والسّْنان وبالحجَّة والبُرهان .
وكذَلك أهل البِدع يُجاهَدُون .
قال شيخ الإسلام إبن تيمية –رحمه الله- ( مجموعة الفتاوى (4/14) ) ” فالراد على أهل البدع مجاهد حتى كان [يحيى بن يحيى] يقول: [الذب عن السنة أفضل من الجهاد]” اهـ
وقال أيضا –رحمه الله- ( الفتاوى: (28/231-232) ): (ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبارات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين.
حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: (إن صام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل.
فبيّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم، من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً” اهـ
قال العلَّامة ابن القيِّم –رحمه الله- في معرضِ ذكره لمَراتبِ الجِهاد ( زاد المعاد في هدي خير العباد : 11/3) : ” وأما جهادُ أرباب الظلم، والبِدعِ، والمنكرات، فثلاث مراتبَ: الأولى: باليدِ إذا قَدَرَ، فإن عَجَزَ، انتقل إلى اللِّسان، فإن عَجَزَ، جاهد بقلبه .” اهـ
وقال أيضا –رحمه الله- (المدارج 3/394) : كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عمله خير من علمه فسيرته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد أهل البدع لا يشق له فيها غبار وله المقامات المشهورة في نصرة الله ورسوله”اهـ
وقال -رحمه الله- أيضا (شرح القصيدة النونية للشيخ محمد خليل هراس :8/1) في سياق كلامه على بعض المتكلمين المعطلين لصفات الله:
“فما أعظم المصيبة بهذا وأمثاله على الإيمان! وما أشد الجناية به على السنة والقرآن! وما أحب جهاده بالقلب واليد واللسان إلى الرحمن! وما أثقل أجر ذلك الجهاد في الميزان! والجهاد بالحجة واللسان مقدم على الجهاد بالسيف والسنان، ولهذا أمر به تعالى في السور المكية حيث لا جهاد باليد؟ إنذارا وتعذيرا، فقال تعالى: {فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا}
فالجهاد بالعلم والحجة جهاد أنبيائه ورسله وخاصته من عباده المخصوصين بالهداية والتوفيق والإنفاق، ومن مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو؟ مات على شعبة من النفاق، وكفى بالعبد عمى وخذلانا أن يرى عساكر الإيمان وجنود السنة والقرآن وقد لبسوا للحرب لامته، وأعدوا له عدته، وأخذوا مصافهم، ووقفوا مواقفهم، وقد حمي الوطيس، ودارت رحى الحرب، واشتد القتال، وتنادت الأقران: النزال ! النزال! وهو في الملجأ والمغارات والمدخل، مع الخوالف كمين، وإذا ساعد القدر وعزم على الخروج، قعد فوق التل مع الناظرين، ينظر لمن الدائرة، ليكون إليهم من المتحيزين، ثم يأتيهم وهو يقسم بالله جهد أيمانه أني كنت معكم وكنت أتمنى أن تكونوا أنتم الغالبين ” اهـ
.
قال الإمام الشاطبي –رحمه الله- (الاعتصام : 11-12/1) ” لا بد أن تثبت جماعة اهل السنة حتى يأتى أمر الله غير أنهم لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناضبهم العداوة والبغضاء استدعاء إلى موافقتهم لا يزالون في جهاد ونزاع ومدافعة وقراع آناء الليل والنهار وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل ويثيبهم الثواب العظيم ” اهـ
وقال العلامة صالح الفوزان –حفظه الله- ( مقال بعنوان : ” القول بعدم تخطئة المخالف“
نشر في جريدة الجزيرة العدد 11672 الأحد 27 رجب1425 الموافق لـ :
12 سبتمبر 2004